<%@LANGUAGE="JAVASCRIPT" CODEPAGE="65001"%> سعدية بيرو
   
بيرو

 

 

 

تجربة في الفن و الحياة معا

عبدالله الشيخ


تجب الإشارة إلى أن المبدعة سعدية بيرو من مواليد الصويرة سنة 1963، ارتادت مغامرة البحث التشكيلي العميق عن الأشياء المختلفة والجديدة والأصيلة، فبدت أعمالها الصباغية ذات مسافات جمالية منسجمة ومتناغمة سواء على مستوى اختيار الألوان الإيحائية أو على مستوى حركة الأشكال الهندسية والغنائية اللانهائية وكأننا بصدد "هندسة داخلية" لعالم من الصور التخييلية والإستيهامات الحلمية التي ترمز إلى اللحظات الهاربة للفكر والإحساس معا.
هكذا تسافر بنا المبدعة بيرو إلى عوالم مغايرة من الإشارات و الرمزية المفتوحة على كل التأويلات الممكنة والمحتملة، ذلك أن الفنانة منذ سنة 1984 (سنة معرضها الأول) ارتضت الإبداع التشكيلي أداة ورؤية وإطارا تعبيريا عن طاقة معنوية وعن الجوهر المشترك والثابت في النفس الإنسانية.
السفر الداخلي
إن العملية الإبداعية لدى هذه الفنانة العاشقة لكل ما هو أصيل وصادق ومستقل تعد تعبيرا عن حاجة إعادة الصلة بين الخاص والعام في الفن والحياة، إذ لا يمكن بتعبيرها الجمالي الفصل بين تجربتها التشكيلية وتجربتها الإنسانية الشخصية والثقافية والحضارية. إننا بصدد إعادة الحياة للإبداع والإبداع إلى الحياة تحت هاجس تجاوز انحسار الدائرة الضيقة لفنوننا التشكيلية  !
فالمتأمل لأعمال هذه الفنانة الأصيلة يلاحظ لا محالة مدى انجذابها الواعي إلى التحرر من عبودية الأسلوب الموحد وقيود الفكر وقيود الخيال بحثا عن تعبير جديد أكثر انسجاما مع حاجاتها النفسية وتأملاتها الكونية وأقوى نفاذا إلى أعماق الواقع المحيط بها. وهذا ما يمكن إدراك بعض مرجعيا ته في تجارب "اللاشكل" ومع رواد " العلامة " في أبعادها المرئية واللامرئية...
من المعلوم أن الفنانة بيرو عرفت بتجربتها العميقة مع الأمكنة بمختلف مراقيها (الإقامة، السفر، المحترف...) وهي أماكن بعيدة وقريبة، حاضرة وغائبة، محسوسة ومدركة، أماكن تشعرك حتما بأن لحظات الإبداع أشبه بالسفر إن لم نقل هي السفر الأكبر، ذلك أن المبدعة يتملكها بعد انتهاء تشكيل القماشة شعور العائد إلى وعيه كالعائد من رحلة حالمة وهائلة؟ أليس هذا الإحساس هو الذي يبرر توصيف المعرض الجاري ب " قصة الأحلام "؟* إن هذا السفر الداخلي لا تتحقق مد ارجه إلا بفضل الطاقة الخلاقة والشعور بالانتشاء الكوني الخارج من الزمن؟ هل هو تفاؤل بالمعنى أو يأس منه؟ هل هي مجابهة للفراغ المطلق في كل شيء أم احتفاء ذاتي بالامتلاء الواقعي؟ هل هي لحظات تأمل كوني، كحلم لا يقوى الحاكم على  التخلص منه، والحلم مستمر بإيقاعاته وأشكاله ودلالاته؟ أليس الفن هو الحلم الذي أفصح الإنسان عنه؟ ألا يترافد الحلم والواقع معها؟ ألم يقل بروست " أن يحلم الإنسان حياته أعظم من أ، يعيشها "؟ إن أعمال الفنانة بيرو تنهض كطاقة دائبة الحركة وكمقاومة سرية وهادئة ضد المعاني الجاهزة وعمليات البحث المجانية، إن الإيقاع هو سيد الزمن والمكان في أعمالها المقدمة، إيقاع انسيابي تهندسه الفنانة بمتعة وإصرار في صيغة أشكال وتراكيب وإشارات لا تسعف فيها القراءات السريعة والمطمئنة !  
واثقة بموهبتها الحرة وملتزمة بشخصيتها المستقلة، اختارت بيرو البحث في إطار ورشة مفتوحة بنواحي مدينة الصويرة منصته لطاقتها التخييلية الجامحة المشدودة إلى أعماق دائمة الغور والتأمل والتساؤل، فكانت الحصيلة غرابة صادمة للأشكال والتركيبات والإيقاعات الخاصة تعطينا الانطباع على تلك الكتابات الشعرية القديمة التي امتلكت عن جدارة الحق في الانتماء إلى ما هو باق على مر الزمن من كتابات الإنسان الموشومة.
تشع أعمال الفنانة بيرو، إذن، بقوة إيحائية وبفتنتها الشعرية الساحرة ( السحر الذي لا يفسر) وهذا ما يجعلنا نستبدل اسم "قصة الأحلام"* ب " قصة اللا مفكر فيه "،أي ما يبدو أن الفكر عاجز عن تناوله أو ما يؤكد الخروج عن النمط الموضوع فيما يرى ويفعل باتجاه ما يبدو لنا أن الحياة لن تتوهج إلا به، رغم كونه مجهولا وغير مسبوق إليه وليس في حساب الإمكان والاحتمال...         
إن الفنانة وهي تقوم باستيحاء المجهول الكوني ووصف ما لايوصف تؤمن بأن المستحيل هو الرائع والأصدق من كل ما هو ممكن ووارد ومحتمل، حيث تتداعى ملكة الخيال بحرية ودونما قيد أو شرط. إن الإبداع، إذن، لدى هذه المبدعة مغامرة في غير المعروف وغير المجرب وغير المتفق عليه: مغامرة باتجاه المجهول وفتنة اعتناق المستحيل.. إنه بيان انفتاح في الفكر والحساسية معا  !

الحاجات الداخلية
وأنت تتأمل أعمال الفنانة بيرو ذات الإيقاعات التخييلية تستوقفك مقولة كولردج" إيقاف عدم التصديق" لأعمال الفكر والرؤية قصد تمثل جوهر العمل الفني بعيدا عن كل هوى مسبق أو حكم منزلق وتعصب لجهل وبلادة حس وأمية نظر وركود خيال. فأعمال الفنانة بيرو يجب أن ينظر إليها ضمن سيرورة التداخل اللانهائي للحقيقة والخيال والفكر والحدس.. إنها أعمال تستمد وجودها من المغامرات والمتاهات على نحو يذكرنا بقول الفرد نورث وايتهد" في المغامرة وحدها حيوية الفكر (...) في المغامرة وحدها حيوية الذهن" فما تقدمه الفنانة بيرو ليس إلا مجرد تلبية لحاجات داخلية حاجات الذهن والروح فلو لم تكن ترسم لكتبت أو لأقدمت على خدش الجدران لتخطيط أحلامها وهلوساتها الجميلة ! بعيدا عن الإدعاء الفني أو الصلف الذهني، ترتكز الفنانة على أبسط الأشياء دون تعقيد أو حذلقة، منصتة للأصوات القريبة والبعيدة وكأنها تلقننا حكمة: " ما نريده من الكون هو الاستزادة من الوعي به عن طريق الطاقات الهائلة في حسنا وفكرنا والإغراق في الحركة في أجواء الحياة الفسيحة " أليست القماشات وغيرها من الأعمال الفنية مراجع للحياة لا بديل لها؟ مع قماشات الفنانة بيرو ندرك المعاني الحقيقية ل: الدهشة، التجربة، الإبداع، الجميل، الحب، الإيقاع، الحلم، العمق والحركة.
وأنا أحاور الفنانة بيرو، أدركت أن الإبداع من منظورها فن خاص يثير في إيقاعه وتموجاته أسمى متعة مجردة يعرفها العقل البشري... وهي متعة نجد نظيرها في الموسيقى ذات التركيبات اللامتناهية.. إنها نشوة النشوات التي تخاطب الروح فيما تخاطب كيان الإنسان بأجمعه، ألم يقل ولترباتر:" إن الفنون جميعها تطمح إلى الحالة الموسيقية "تنطلق دينامية الشكل من حجاب الأشكال والألوان وأسرار التراكيب التي على الناقد أن يكشف عن بعض مغلقاتها وفق آليات الكشف والاستغوار عارضا نفسه لقوة الأعمال وعمقها ومستعينا بأنواع المعرفة التي تربط بين القديم والجديد وبين الرمز والإحساس والإدراك... وهذا ما يتطلب معاشرة خاصة لتجربة الفنانة بيرو التي تشكل مثالا نموذجيا بالمغرب (لا بالصويرة فقط) خارج دوائر الأسماء الطوطمية التي يروج لها أصحاب القاعات التجارية والأروقة الملتبسة... إنها اسم حركي خارج المغرب يطرح الإبداع وتلقيه خارج القوانين الفولاذية والشعارات الجاهزة ومقامات بروكرستوس الاختزالية...
الحياة تقلد الفن
إن إقبالي على محاورة الفنانة سعدية بيرو التي تجمعني وإياها قواسم جغرافية وتاريخية ومعرفية مشتركة هو إقرار صريح بإعجابي بتجربتها وإحساسي بقيمة أعمالها الإبداعية داخل منظور الرأسمال التشكيلي العالمي ( لا المحلي السياحي الضيق )... فأعمالها قيمة مضافة تحمل الجديد والمغاير وتجعل من النقد استغوارا وكشفا مع العلم أنه لا يمكن استغوار من لا غور له ! إنها فنانة تعمل القريحة وتستعين بالذاكرة مساهمة بتواضع كبير في تجديد اللغة التشكيلية والرؤية للعالم وتوطين الثقافة البصرية... فهي تدرك مسؤولية المبدعين الذين قال عنهم الشاعر الكبير شيلي:" كهنة الوحي الذي لا يدرك، مرايا الظلال الهائلة التي يلقيها المستقبل على الحاضر(...) انهم مشرعو العالم غير المعترف بهم".
حساسية مفرطة في جعل القماشة عالما شعريا وسحريا مفعما بالرموز والعلامات. حساسية تقدم الفن أيضا كعصارة تجربة في الحياة والوجود معا خاصة إذا علمنا بأن المبدعة بيرو ليست من طينة المبدعات بالمغرب الغارقات في عزلة اجتماعية رتيبة لأنها تتحلى بما قاله أوسكار وايلد:" الحياة هي التي تقلد الفن لا العكس".

.

الكينونة المستقلة
تقول الفنانة بيرو في سياق حديثها عن الإبداع التشكيلي:" إن عملية التشكيل كما أومن بها هي حصيلة عمل مستمر ونتيجة لتجارب مختلفة، ليست تقنية فحسب، بل ثقافية وحضارية وجمالية. إنها العمل المقرون بالبحث عن الحرية في  التعامل بواسطة اللون والشكل وجميع مكونات "التشكيل" التي ينطلق بعضها من البعض الآخر ليكون بذلك تلك الحركة المستمرة المتصاعدة المانحة العمل التشكيلي إيقاعا منسجما كما وكيفا وتوازنا وجمالية ثم كينونة مستقلة  تتواجد بذاتها، لها فضاؤها الخاص بها زمانا ومكانا. إنها أيضا عملية البحث عن الحرية التي "تتحاشى المجانية" على أية حال، إنها توظيف "طاقة" معنوية فطرية أو مكتسبة أو كلاهما معا تتطور دونما نهاية موازية بذلك البحث عن الذات الذي يرتبط ارتباطا وثيقا وينشد انشدادا كليا لعمق النفس الإنسانية والتعبير عن "الجوهر" المشترك والثابت فيها. ومن هذا المنظور لا يمكنني فصل تجربتي التشكيلية عن تجربتي الإنسانية الشخصية والثقافية والحضارية " وعن واقع الفنون التشكيلية بالمغرب تضيف الفنانة بيرو:" من الملاحظ أن الفنون التشكيلية حاضرة في مجتمعنا بشكل كبير لكن الجدلية القائمة حول هذا الحضور والتعايش معه على مستوى بنيات أوسع مما عليه، مسألتان لازالتا في حاجة إلى الكثير من التوضيح. صحيح أن التساؤل حول " طبيعة الفنون التشكيلية " بالمغرب: أهي امتداد للفنون التقليدية أم استعارة عن الغرب؟ تساؤل قد خفت حدته نوعا ما في العقود الأخيرة، لكن رواسب هذه الجدلية لازالت عالقة في بعض الأوساط "الفنية التشكيلية" وهذا شيء يحول دون حرية الإبداع ويجعل الإنسان في قالب تستحيل معه الاستفادة من الكثير من التجارب الفنية ذات الأهمية وتجعلنا دائما نبحث عن " خانة " نضع فيها تلك التجارب دون بذل مجهود في فهمها كما هي كإبداع ذي كيان، لا كما يراد لها أن تكون حسب بعض الظروف.
ثم هناك مسألة غائبة عن مجتمعنا في هذا المضمار وهي ذات أهمية، ألا وهي غياب ثقافة تشكيلية محلية بصفةخاصة وعالمية بصفة عامة، وهذه مسألة تقترن بالإشكالية الثقافية والتربوية على أية حال".
تبقى هذه الفنانة المبدعة صاحبة حلم جميل يدعونا لارتياد المداخل العجيبة وسلك السبل الأسطورية لسفر كوني وروحي ينطبع بعمق القلب، حيث الأصالة التاريخية لمسار شخصي تقوم على هوية العلامات والرموز والكائنات والألوان وانفرادية التعبير ذات الامتداد الحضاري الإفريقي والعربي والإسلامي المتواصل مع التعدد الإثني والجوهر الكوني. 

جريدة الصحراء المغربية   

                                                                                  

.

.


2006/06/12

 

إعمال الفنانة المغربية سعدية بيرو - شفافية التعبير عن مكنونات الروح
محمد مهدي حميدة
ناقد تشكيلي من مصر


في تجربة التشكيلية المغربية سعدية بيرو نستطيع مشاهدة ذلك الفيض الهائل من الطاقات الداخلية التي تسعي للخروج من مكامنها لتعبر إلي سطح العمل الفني كي تنتشر خلاله ومن ثم تستحيل إلي علاقات تشكيلية قادرة علي إحداث الدهشة، وأيضا إثارة عدد من التساؤلات الملحة التي تستوجب نظرات تأملية عميقة تستهدف في مجملها العثور علي الصائب من الأجوبة التي تعطينا بدورها ملامح جد أساسية عن مكنونات تلك الأعمال شديدة التنوع والثراء.
ولدت سعدية بيرو في الصويرة بالمغرب في العام 1963، في بيت يفتقر لوجود الكتب والتلفاز-علي حد قولها- فحرمت من المعرفة المكتوبة والمرئية، إلا أن والديها في المقابل كانا يزودانها بمعرفة وثقافة شفوية من خلال القصص والأساطير الأمازيغية التي كانا يحكيانها لها ولإخوتها فتثير خيالها وتخلق لديها رغبة في رسم شخوص تلك الأساطير وأحداثها الخرافية.
وقضت سعدية ما يقرب من أربع سنوات في "الكتاب" حيث كانت تنقل الآيات القرآنية علي ألواح خشبية بخط مغربي دون أن تفهم معاني الآيات، وفيما بعد التحقت بالمدرسة وتمكنت من الحصول علي أقلام وأوراق وطباشير وألواح فرسمت كل ما كان يدور برأسها وزينت كراسات المحفوظات الشعرية مما أثار الإعجاب بها وبرسومها المختلفة.
وكانت الفتاة الصغيرة الولعة بالرسم تحب دخول "المنسج" مع أختين يكبرانها وهما معلمتان في نسيج الزرابي ذات الطابع التقليدي المغربي فوقعت عيناها علي الألوان والموتيفات وتعايشت مع كل ما كان يدور حولها في المنسج من طقوس بداية من غزل الصوف وصبغه وتقطيعه وصولا إلي نسجه في أشكال هندسية وأخري ذات تكوينات حرة، وقد استرعي انتباهها الحسابات الدقيقة التي تتشكل تبعا لها تلك الرموز والأشكال في ثنايا النسيج... لقد كان عالما سحريا دفعها إلي التفكير في تساؤلات عدة لم تلق جوابا لها حينذاك خصوصا فيما يتعلق بالرموز والعلامات والأشكال الهندسية الخاصة بعالم الحيوان والطبيعة.
وفيما بعد طالعت واقتنت العديد من الكتب القديمة رخيصة الثمن التي استطاعت من خلالها التعرف علي سيرة بعض الفنانين واكتشفت كذلك أن هناك شيئا اسمه الفن!
لقد بدأت الفنانة من هذا الحين ترجمة أخيلتها وأحاسيسها ومعاناتها إضافة إلي الأفكار الفلسفية التي تأثرت بها إلي رسومات يمكن القول بأنها فطرية تبعد عن القواعد الأكاديمية كالمنظور والظل والنور ومراعاة النسب وغيرها وتعتمد في إنجازها علي كل ما أتيح لها من أدوات بحيث أنها لم تعد تكتفي برسم أو تزيين ما تقرأه أو ما يحكي لها عنه فقط.
في العام1980 اشتركت سعدية بيرو في أنشطة الجمعية الثقافية لمدينة الصويرة، تلك الجمعية التي لم يعد لها وجود الآن، فشاركت في معرض جماعي أقامته الجمعية، وبعد ذلك بسنوات ثلاثة أقامت معرضها الفردي الأول في نفس الجمعية، واحتفي بها وبفنها عدد غير قليل من المهتمين بالرسم مما جعلها تتجه للتشكيل بجدية كبيرة و-، واستمرت في عرض أعمالها بالجمعية و وثانوية أكنسوس وثانوية المزرعة- ثانوية محمد الخامس الآن- اتجهت الفنانة في دراستها الجامعية إلي دراسة العلوم البيولوجية والجيولوجية بجامعة ابن زهر بأغادير بالمغرب وتخرجت عام1986لكنها بعد ذلك غادرت إلي فرنسا لتدرس فنون الديكور بستراسبورج حيث تابعت دروسا ليلية لمدة سنة ثم اتجهت للدراسة بمدرسة الفنون الجميلة بمولوز"Mulhausen
" بفرنسا فيما بين العامين1987، 1989 ثم استكملت تلك الدراسة في أكاديمية الفن بتطوان بالمغرب في العام1990 وكان الموضوع الأثير في لوحاتها في تلك الأثناء تصوير المرأة الصويرية بلحافها الأبيض ولثامها الأسود كرمز للمرأة بصفة عامة إضافة إلي موضوعات قومية كالقضية الفلسطينية، وموضوعات محلية مستقاة من مدينتها الصويرة، تلك المدينة التـــــــي تنال إعجاب الكثـــــــير مــــــــن المبدعين والتي كانت قديما مركــــــزا تجاريا وميناء مهما، تقول الفنانة عن مدينتها:- (إنها مدينة جميلة بهندستها وبساطتها، كل شئ فيها يدفعك إلي التأمل ويشعرك بالحرية والتقييد في آن واحد.. الجو المتقلب بين صفاء هادئ ورياح عاتية.. البحر يحيطها من ثلاث جهات وهو متنفس وحاجز.. المدينة العتيقة بأسواقها وأسوارها.. طبيعتها المجردة بين رمال الشطآن وزرقة البحر المتحدة بزرقة السماء.. زرقة قد تبتلع بصرك أو تنثر في عيونك نجوم كماسات لا تحصي).
بدأت سعدية علاقتها بحركة التشكيل المغربية في العام 1983وهو العام الذي أقامت فيه معرضها الفردي الأول، وبعد هذا وبداية من العام1991 أقامت الفنانة عددا كبيرا من المعارض الفردية كما شاركت في العديد من المعارض الجماعية والملتقيات الثقافية والفنية المختلفة في كل من المغرب، ألمانيا، النمسا، فرنسا، ليتوانيا، اليونان، وغيرها.
في الأقطار الأوربية المختلفة عثرت سعدية علي أنماط حياتية مختلفة واصطدمت بثقافات منفتحة ورأت بعينيها أعمال كبار التشكيليين العالميين من مختلف العصور، بدأت رحلتها من فرنسا حيث درست هناك الفن ووصلت في نهاية المطاف إلي ألمانيا حيث عاشت لفترة غير قصيرة في خضم حركة تشكيلية كبيرة تتميز بالغني الشديد والرغبة في التجريب المتواصل والابتكار إضافة إلي وجود مساحات كافية من الوعي والحرية المفتقدة في مجتمعاتنا الشرقية، إلا أنها انتقلت مرة أخري للعيش في بلدها الصويرة التي تحبها بجنون وتري أن تلك البلدة الرحبة ذات الموروث الشعبي والحضاري العميق قد صاغت جانبا أساسيا وكبيرا من شخصيتها علي المستويين الإنساني والفني، وفي قرية تبعد عن الصويرة بعشرة كيلو مترات اعتكفت الفنانة في شبه عزلة بمرسمها لمدة أربع سنوات تقرأ وتتأمل ذاتها مستعينة بمعايشة الطبيعة من حولها في محاولة للاستفسار - كما تقول- عن الماهيات والضروريات فتجردت أعمالها من الشكل واكتسبت طابعا تأمليا يبحث في الجوهر المشترك فيما بين الأشخاص والأشياء وهي وقفة تنفي الفنانة كونها وقفة فلسفية وتراها تحليلا ومواجهة لمتناقضات الذات. لكن علي أي من الأحوال فالفنانة قد قررت سلفا العيش والتنقل مابين موطنها الأصلي المغرب وأوربا عبر الأسفار أحيانا والإقامة والاستقرار في أحيان أخري فيما بين هذين العالمين المتباينين حيث الفواصل المعرفية والسلوكية والحضارية بينهما مرئية بوضوح ويصعب تجاهلها أو تنحيتها جانبا لتتحول الفنانة ذاتها أحيانا إلي ما يشبه البوتقة التي تنصهر بداخلها كل أو بعض معطيات هذين العالمين وأحيانا أخري نجدها تبدو كما لو كانت كرة صغيرة تقفز من عالم إلي آخر متجهة من الشرق إلي الغرب أو العكس بحثا عن شئ ما تتوق للحصول عليه عبر عدد لا نهائي من تلك القفزات الدينمية المتوالية والمستمرة خالقة في هذا المجال قدرا هائلا من الطاقة الحركية الدءوب التي تفسر لنا إقدام الفنانة في الكثير من تشكيلاتها علي توظيف الدوائر الخطية أو المصمتة( ذات المساحة اللونية الواحدة أو المتداخلة) وكذلك الكرات التي تستخدمها في بناء عمل فني معادل تماما للأرض لكنها ليست الأرض التي نحيا عليها إنما هي أرض داخلية تنتمي إلي كون خفي يعيش ويتنامي في أعماق الفنانة الداخلية فحسب. لتتحول تلك الأعمال في آخر الأمر إلي مرايا تعكس بشفافية صادقة بعضا من الأسرار الروحية التي تعتمل بداخل هذه الفنانة التي رضخت بكل حواسها ومشاعرها المتأججة لسطوة التشكيل وهيمنته فراحت بوعي أحيانا وبلا وعي في أحيان أخري تكشف عن مساحات كبيرة من العوالم الغرائبية والأحلام والهواجس التي تسكنها.

Azzaman International Newspaper - Issue 2425 - Date 13/6/2006

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2425 - 13/6/2006

.