الحاجات الداخلية
وأنت تتأمل أعمال الفنانة بيرو ذات الإيقاعات التخييلية تستوقفك مقولة كولردج" إيقاف عدم التصديق" لأعمال الفكر والرؤية قصد تمثل جوهر العمل الفني بعيدا عن كل هوى مسبق أو حكم منزلق وتعصب لجهل وبلادة حس وأمية نظر وركود خيال. فأعمال الفنانة بيرو يجب أن ينظر إليها ضمن سيرورة التداخل اللانهائي للحقيقة والخيال والفكر والحدس.. إنها أعمال تستمد وجودها من المغامرات والمتاهات على نحو يذكرنا بقول الفرد نورث وايتهد" في المغامرة وحدها حيوية الفكر (...) في المغامرة وحدها حيوية الذهن" فما تقدمه الفنانة بيرو ليس إلا مجرد تلبية لحاجات داخلية –حاجات الذهن والروح – فلو لم تكن ترسم لكتبت أو لأقدمت على خدش الجدران لتخطيط أحلامها وهلوساتها الجميلة ! بعيدا عن الإدعاء الفني أو الصلف الذهني، ترتكز الفنانة على أبسط الأشياء دون تعقيد أو حذلقة، منصتة للأصوات القريبة والبعيدة وكأنها تلقننا حكمة: " ما نريده من الكون هو الاستزادة من الوعي به عن طريق الطاقات الهائلة في حسنا وفكرنا والإغراق في الحركة في أجواء الحياة الفسيحة " أليست القماشات وغيرها من الأعمال الفنية مراجع للحياة لا بديل لها؟ مع قماشات الفنانة بيرو ندرك المعاني الحقيقية ل: الدهشة، التجربة، الإبداع، الجميل، الحب، الإيقاع، الحلم، العمق والحركة.
وأنا أحاور الفنانة بيرو، أدركت أن الإبداع من منظورها فن خاص يثير في إيقاعه وتموجاته أسمى متعة مجردة يعرفها العقل البشري... وهي متعة نجد نظيرها في الموسيقى ذات التركيبات اللامتناهية.. إنها نشوة النشوات التي تخاطب الروح فيما تخاطب كيان الإنسان بأجمعه، ألم يقل ولترباتر:" إن الفنون جميعها تطمح إلى الحالة الموسيقية "تنطلق دينامية الشكل من حجاب الأشكال والألوان وأسرار التراكيب التي على الناقد أن يكشف عن بعض مغلقاتها وفق آليات الكشف والاستغوار عارضا نفسه لقوة الأعمال وعمقها ومستعينا بأنواع المعرفة التي تربط بين القديم والجديد وبين الرمز والإحساس والإدراك... وهذا ما يتطلب معاشرة خاصة لتجربة الفنانة بيرو التي تشكل مثالا نموذجيا بالمغرب (لا بالصويرة فقط) خارج دوائر الأسماء الطوطمية التي يروج لها أصحاب القاعات التجارية والأروقة الملتبسة... إنها اسم حركي خارج المغرب يطرح الإبداع وتلقيه خارج القوانين الفولاذية والشعارات الجاهزة ومقامات بروكرستوس الاختزالية...
الحياة تقلد الفن
إن إقبالي على محاورة الفنانة سعدية بيرو التي تجمعني وإياها قواسم جغرافية وتاريخية ومعرفية مشتركة هو إقرار صريح بإعجابي بتجربتها وإحساسي بقيمة أعمالها الإبداعية داخل منظور الرأسمال التشكيلي العالمي ( لا المحلي السياحي الضيق )... فأعمالها قيمة مضافة تحمل الجديد والمغاير وتجعل من النقد استغوارا وكشفا مع العلم أنه لا يمكن استغوار من لا غور له ! إنها فنانة تعمل القريحة وتستعين بالذاكرة مساهمة بتواضع كبير في تجديد اللغة التشكيلية والرؤية للعالم وتوطين الثقافة البصرية... فهي تدرك مسؤولية المبدعين الذين قال عنهم الشاعر الكبير شيلي:" كهنة الوحي الذي لا يدرك، مرايا الظلال الهائلة التي يلقيها المستقبل على الحاضر(...) انهم مشرعو العالم غير المعترف بهم".
حساسية مفرطة في جعل القماشة عالما شعريا وسحريا مفعما بالرموز والعلامات. حساسية تقدم الفن أيضا كعصارة تجربة في الحياة والوجود معا خاصة إذا علمنا بأن المبدعة بيرو ليست من طينة المبدعات بالمغرب الغارقات في عزلة اجتماعية رتيبة لأنها تتحلى بما قاله أوسكار وايلد:" الحياة هي التي تقلد الفن لا العكس".
.
الكينونة المستقلة
تقول الفنانة بيرو في سياق حديثها عن الإبداع التشكيلي:" إن عملية التشكيل كما أومن بها هي حصيلة عمل مستمر ونتيجة لتجارب مختلفة، ليست تقنية فحسب، بل ثقافية وحضارية وجمالية. إنها العمل المقرون بالبحث عن الحرية في التعامل بواسطة اللون والشكل وجميع مكونات "التشكيل" التي ينطلق بعضها من البعض الآخر ليكون بذلك تلك الحركة المستمرة المتصاعدة المانحة العمل التشكيلي إيقاعا منسجما كما وكيفا وتوازنا وجمالية ثم كينونة مستقلة تتواجد بذاتها، لها فضاؤها الخاص بها زمانا ومكانا. إنها أيضا عملية البحث عن الحرية التي "تتحاشى المجانية" على أية حال، إنها توظيف "طاقة" معنوية فطرية أو مكتسبة – أو كلاهما معا – تتطور دونما نهاية موازية بذلك البحث عن الذات الذي يرتبط ارتباطا وثيقا وينشد انشدادا كليا لعمق النفس الإنسانية والتعبير عن "الجوهر" المشترك والثابت فيها. ومن هذا المنظور لا يمكنني فصل تجربتي التشكيلية عن تجربتي الإنسانية الشخصية والثقافية والحضارية " وعن واقع الفنون التشكيلية بالمغرب تضيف الفنانة بيرو:" من الملاحظ أن الفنون التشكيلية حاضرة في مجتمعنا بشكل كبير لكن الجدلية القائمة حول هذا الحضور والتعايش معه على مستوى بنيات أوسع مما عليه، مسألتان لازالتا في حاجة إلى الكثير من التوضيح. صحيح أن التساؤل حول " طبيعة الفنون التشكيلية " بالمغرب: أهي امتداد للفنون التقليدية أم استعارة عن الغرب؟ تساؤل قد خفت حدته نوعا ما في العقود الأخيرة، لكن رواسب هذه الجدلية لازالت عالقة في بعض الأوساط "الفنية التشكيلية" وهذا شيء يحول دون حرية الإبداع ويجعل الإنسان في قالب تستحيل معه الاستفادة من الكثير من التجارب الفنية ذات الأهمية وتجعلنا دائما نبحث عن " خانة " نضع فيها تلك التجارب دون بذل مجهود في فهمها كما هي كإبداع ذي كيان، لا كما يراد لها أن تكون حسب بعض الظروف.
ثم هناك مسألة غائبة عن مجتمعنا في هذا المضمار وهي ذات أهمية، ألا وهي غياب ثقافة تشكيلية محلية بصفةخاصة وعالمية بصفة عامة، وهذه مسألة تقترن بالإشكالية الثقافية والتربوية على أية حال".
تبقى هذه الفنانة المبدعة صاحبة حلم جميل يدعونا لارتياد المداخل العجيبة وسلك السبل الأسطورية لسفر كوني وروحي ينطبع بعمق القلب، حيث الأصالة التاريخية لمسار شخصي تقوم على هوية العلامات والرموز والكائنات والألوان وانفرادية التعبير ذات الامتداد الحضاري الإفريقي والعربي والإسلامي المتواصل مع التعدد الإثني والجوهر الكوني.
جريدة الصحراء المغربية